كشفت أزمة سبتة المحتلة بوضوح مشكلة الحضور السياسي للحكومة. ففي الوقت الذي كانت فيه اسبانيا، بمسؤوليها واحزابها ووسائل اعلامها، تملأ الفضاء العام بتصريحاتها ورواياتها حول ما جرى، بدت حكومة عزيز اخنوش خارج التغطية و شبه غائبة عن المشهد.
حيث لم يظهر مسؤول حكومي يتولى تقديم رواية سياسية متكاملة، يشرح خلفيات الاحداث، ويرد على الاتهامات التي كانت تتناسل في الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
والاكثر اثارة هو ان الحكومة لم تكن مجرد طرف ثانوي في الازمة، بل كانت الجهة التي يفترض ان تتولى سياسيا مخاطبة الرأي العام. كان بإمكان رئيس الحكومة او احد الوزراء الخروج الى الرأي العام الوطني والدولي لشرح ما جرى، وتقديم المعطيات المتوفرة، وتصحيح الارقام المتداولة، والرد على الروايات الاسبانية، وتوضيح موقف المغرب من الاحداث.
في المقابل، وجد المواطن نفسه امام مشهد سياسي غريب: اسبانيا تتحدث، والاحزاب الاسبانية تتحدث، والمسؤولون والخبراء والمعلقون يتحدثون، بينما ظل الخطاب الحكومي المغربي محدودا.
ومع غياب الرواية الرسمية الواضحة، تحولت شبكات التواصل الاجتماعي الى مساحة لصناعة روايات بديلة، بعضها مبني على معلومات ناقصة وبعضها على التأويل، من دون ان تجد في المقابل خطابا حكوميا قويا يصحح ويشرح ويدافع.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بمدى نجاح الحكومة في ادارة الازمة، بل بمكان الحكومة نفسها داخل المشهد السياسي. عندما تقع ازمة بهذا الحجم، من الطبيعي ان ينتظر المواطن ظهور رئيس الحكومة والوزراء المعنيين لتقديم اجوبة سياسية. اما ان تغيب الحكومة عن الواجهة، ثم يصبح التدخل الملكي هو الحدث السياسي الاكثر وضوحا، فهذا يطرح سؤالا عن جدوى وجود حكومة منتخبة اذا كانت تتوارى في اللحظات التي تحتاج فيها البلاد الى صوت سياسي واضح.
إن ازمة سبتة، بهذا المعنى، لم تكن مجرد ازمة حدودية او دبلوماسية، بل كشفت ازمة اعمق تتعلق بصورة الحكومة ودورها. فالحكومة التي لا تتحدث في الازمات، ولا تشرح قراراتها، ولا تواجه خصومها سياسيا، ولا تقدم روايتها للرأي العام، تتحول تدريجيا الى جهاز لتدبير الملفات اكثر منها مؤسسة سياسية.
والمشكلة ان المواطن لا ينتخب مجرد ادارة، بل ينتخب حكومة يفترض ان يعرف من يقودها، ومن يمثلها، ومن يتحمل مسؤوليتها. وفي ازمة سبتة، كان السؤال الاكثر حضورا: اين كانت الحكومة؟