تكشف بعض الأصوات المتطرفة في إسبانيا عن استمرار حضور “حرب الاسترداد” في المخيال السياسي لتيارات قومية ودينية لم تتصالح بعد مع حقائق التاريخ والجغرافيا. فبعد أكثر من خمسة قرون على انتهاء تلك المرحلة، لا يزال البعض يستحضرها باعتبارها مشروعًا غير مكتمل، ويستخدمها لتأطير العلاقات مع المغرب.
ويعكس هذا الخطاب حنينًا إلى زمن الإمبراطوريات، أكثر مما يعكس قراءة واقعية لموازين القوى أو لطبيعة العلاقات التي تربط البلدين في القرن الحادي والعشرين.
ولا يقتصر الأمر على استحضار أحداث تاريخية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة إنتاجها سياسيًا ورمزيًا. فعندما تُرفع شعارات تدعو إلى “استعادة المغرب” أو إلى “تنصيره”، فإنها تكشف عن رؤية تقوم على إنكار سيادة الدول واستقلال الشعوب، وتُلبس الصراعات السياسية لباسًا دينيًا وحضاريًا. وهي رؤية تتجاهل أن المغرب اليوم دولة ذات مؤسسات راسخة وشريك استراتيجي لإسبانيا في ملفات حيوية، من مكافحة الإرهاب إلى تدبير الهجرة والتعاون الاقتصادي.
ويغذي هذا الخطاب قراءة انتقائية للتاريخ، تتعامل مع “الريكونكيستا” بوصفها انتصارًا حضاريًا مطلقًا، بينما تتجاهل قرونًا من التعايش والتبادل الثقافي بين المسلمين والمسيحيين واليهود في الأندلس، كما تتجاهل أن العلاقات المغربية الإسبانية مرت عبر مراحل متعددة من التعاون والصراع، ولا يمكن اختزالها في رواية واحدة ذات طابع أيديولوجي. فالتاريخ، حين يُستخدم أداة للتحريض، يتحول إلى وسيلة لتبرير الكراهية بدل أن يكون مصدرًا للفهم واستخلاص الدروس.
ويثير القلق أن تجد هذه الأفكار صدى داخل بعض الأوساط اليمينية المتشددة التي توظف المخاوف المرتبطة بالهجرة لإحياء رموز الماضي. فبدل البحث عن حلول واقعية للتحديات الراهنة، يُعاد إنتاج خطاب يعتبر المغرب “عدوًا تاريخيًا”، ويستحضر معارك انتهت منذ قرون لاستثارة المشاعر القومية والدينية. وهذا يكشف أن “حرب الاسترداد” لم تعد حدثًا تاريخيًا فحسب، بل تحولت لدى بعض التيارات إلى أسطورة سياسية تُستدعى كلما احتدمت الأزمات.
إن أخطر ما في هذه الأوهام أنها تعيق بناء مستقبل قائم على التعاون والاحترام المتبادل. فالعلاقات بين المغرب وإسبانيا تحكمها اليوم المصالح المشتركة والقانون الدولي، لا منطق الفتوحات والحروب الدينية. أما استدعاء “حرب الاسترداد” إلى النقاش السياسي المعاصر، فلا يعبر عن قوة المشروع الذي يطرحه أصحابه، بقدر ما يعكس عجزهم عن إنتاج رؤية تستجيب لتحديات الحاضر، واختيارهم الاحتماء بأساطير الماضي بدل مواجهة واقع القرن الحادي والعشرين.