د.رضوان اعميمي
لم يعد من الممكن النظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة للتكوين الأساسي تنتهي علاقتها بالفرد بمجرد حصوله على الشهادة. فالتغير السريع في المهن والمهارات، وما تفرضه الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية والإدارية من كفاءات جديدة، يجعل التكوين مدى الحياة ضرورة وليس اختياراً وهو ما تبناه المغرب في سياق القانون الإطار المتعلق بالتربية والتكوين والبحث العلمي في مستويات عدة.
وفي هذا السياق، يكتسب التكوين بالتوقيت الميسر أهمية كبيرة تتجاوز مجرد تنظيم الدراسة خارج أوقات العمل. فجوهر هذا النموذج هو تمكين الموظف أو الأجير أو المهني من العودة إلى الجامعة لتحديث معارفه وتطوير كفاءاته دون الانقطاع عن حياته المهنية. فالخبرات التي كانت كافية قبل عشر سنوات قد لا تكون كافية اليوم، والموظف في الإدارة أو الإطار داخل المقاولة أصبح مطالباً بصورة متزايدة بإتقان أدوات جديدة في التدبير والرقمنة والمالية وتحليل البيانات والحكامة والذكاء الاصطناعي وغيرها.
لذلك، فالتوقيت الميسر لا ينبغي اختزاله في كونه استجابة لطلب فردي على الشهادة، ولكن ينبغي اعتباره آلية وطنية لإعادة تأهيل الرأسمال البشري. فالإدارة التي تسعى إلى التحول الرقمي تحتاج إلى موظفين قادرين على قيادة هذا التحول، والمقاولة التي تستثمر في التكنولوجيا تحتاج إلى أطر تستطيع تحويل التكنولوجيا إلى إنتاجية وقيمة مضافة. ومن هنا يصبح الاستثمار في التكوين استثماراً في أداء المؤسسة نفسها.
ومع ذلك لا ينبغي أن يتحمل الموظف أو الأجير وحده تكلفة تطوير كفاءاته. فإذا كانت الإدارة أو المقاولة تستفيد بصورة مباشرة من تأهيل مواردها البشرية، فمن الطبيعي أن تنخرط في هذا الورش، من خلال تحمل كامل تكاليف التكوين الميسر أو جزء منها، وربطه بسياساتها في تدبير الموارد البشرية وتطوير الكفاءات القائمة على التحفيز.
فالمنطق الحديث لا يعتبر التكوين نفقة اجتماعية، بل استثماراً مؤسساتياً. والمقاولة التي تمول تكوين أطرها تستثمر في إنتاجيتها وقدرتها على الابتكار، كما أن الإدارة التي تؤهل موظفيها تستثمر في جودة الخدمة العمومية وفي قدرتها على تنفيذ الإصلاحات.
ومن شأن هذا التصور أن ينقلنا من علاقة ثنائية بين الجامعة والفرد إلى شراكة ثلاثية بين الجامعة والمشغل والمستفيد: تحدد الإدارة أو المقاولة حاجاتها المستقبلية من الكفاءات، وتوفر الجامعة التكوين والخبرة العلمية، ويستفيد الموظف من تطوير مساره المهني، ثم تعود المعرفة المكتسبة إلى المؤسسة في صورة أداء أفضل.
وفي ذات السياق يمكن تطوير ممارسة إبرام الاتفاقيات بين الجامعات والقطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والمقاولات، التي تخصص بموجبها مقاعد وبرامج لتكوين الموارد البشرية، مع تمويل كلي أو جزئي من طرف المشغّلين. وهكذا ينتقل التكوين المستمر من مبادرات فردية متفرقة إلى سياسة مؤسساتية لتدبير الكفاءات واستباق حاجيات المستقبل.
وفي المقابل، يحمل التوقيت الميسر قيمة مهمة بالنسبة للجامعة نفسها. في سياق التحولات التي تعرفها. فالجامعة التي تستقبل باستمرار أطر الإدارات والمقاولات تصبح أكثر اتصالاً بالمشكلات الحقيقية للاقتصاد والمجتمع، وأكثر قدرة على ملاءمة تكويناتها مع حاجيات سوق الشغل. كما يمكن لهذه العلاقة أن تتطور من التكوين إلى البحث التطبيقي والخبرة والاستشارة وتمويل المشاريع العلمية والابتكار.
وهنا تبرز علاقة مهمة بتنافسية الجامعات. فالتصنيفات الدولية تقيس مجموعة من العناصر يمكن لهذا النموذج أن يساهم في تعزيزها من قبيل جودة البحث العلمي، قابلية تشغيل الخريجين، السمعة لدى المشغلين، العلاقة بالمقاولة، التمويل الموجه للبحث، والقدرة على إنتاج المعرفة ونقلها إلى الاقتصاد والمجتمع وهي مجالات يمكن للتكوين الميسر المساهمة فيها.
كما يوفر التكوين الميسر إمكانية لتنويع موارد الجامعة. لكن القيمة الحقيقية لهذه الموارد تكمن في طريقة إعادة استثمارها. فإذا وجه جزء منها إلى المختبرات، وقواعد البيانات العلمية، ودعم النشر والبحث، وتأطير الدكتوراه، والرقمنة، والتجهيزات والابتكار، فإنها تتحول إلى وسيلة لتحسين الأداء الأكاديمي والبحثي للجامعة.
لذلك فأن نجاح نموذج التكوين الميسر يظل مشروطاً بضمان الجودة. فمرونة التوقيت لا ينبغي أن تعني بأي حال مرونة المعايير الأكاديمية والبيداغوجية. فيجب أن تظل شروط الولوج والتأطير والتقييم والامتحانات وجودة الشهادات خاضعة للمعايير نفسها. فالجامعة لا تعزز سمعتها بكثرة البرامج المؤدى عنها، وإنما بجودة ما تقدمه وبالقيمة العلمية والمهنية لشهاداتها.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي يتجاوز مسألة الدراسة مساءً أو خلال نهاية الأسبوع. إنه يتعلق ببناء نموذج جديد للجامعة: جامعة لا تكتفي بمنح الشهادة، بل ترافق الفرد طوال حياته المهنية؛ جامعة تتقاسم مع الإدارة والمقاولة مسؤولية تطوير الرأسمال البشري؛ وجامعة تحول موارد التكوين إلى بحث وابتكار وجودة.
وعندها يمكن أن تنشأ دائرة إيجابية: مؤسسات تمول تطوير كفاءاتها، وموظفون أكثر تأهيلاً، وجامعات أكثر ارتباطاً بمحيطها، وموارد إضافية للبحث العلمي، ثم معرفة وابتكار يعودان من جديد إلى الإدارة والمقاولة والاقتصاد.
بهذا المعنى، يمكن أن ينتقل التوقيت الميسر من مجرد صيغة للتكوين، إلى رافعة لتنافسية الجامعة، وتحديث الإدارة، ورفع إنتاجية المقاولة، وبناء سياسة وطنية حقيقية للتكوين مدى الحياة.
وعليه، فإن النقاش حول التكوين بالتوقيت الميسر ينبغي ألا يُختزل في ثنائية المجانية والأداء، لأن مسؤولية الدولة في حماية مجانية التعليم العالي، ولا سيما لفائدة الطلبة في مسارات التكوين الأساسي، تظل مبدأً مركزياً لضمان تكافؤ الفرص والحق في التعليم. غير أن الرهان الأوسع يتمثل في تعزيز ولوجية التعليم العالي، والارتقاء بجودته، وتقوية عدالته المجالية والترابية، بما يتيح لمختلف الفئات، وفي مختلف مراحل مسارها المهني، الاستفادة من الجامعة.
ومن هذا المنظور، لا يشكل التوقيت الميسر بديلاً عن مجانية التعليم الجامعي، بل امتداداً لوظيفة الجامعة في مجال التكوين المستمر وخدمة المجتمع. فالتحدي الحقيقي هو بناء جامعة تجمع بين ضمان الحق في التعليم، وتنويع صيغ الولوج إلى المعرفة، وتطوير مواردها وقدراتها البحثية، بما يؤهلها للاضطلاع بدور يتجاوز منح الشهادات إلى إنتاج الكفاءات والمعرفة والابتكار.
وهكذا تصبح الجامعة، من خلال تعزيز جودة تكويناتها، وانفتاحها على الموظفين والمهنيين والمقاولات والإدارات، وحضورها المتوازن على المستوى الترابي، قطباً رئيسياً في قيادة التنمية؛ ليس فقط عبر تكوين الموارد البشرية، بل أيضاً عبر إنتاج الحلول والخبرة والبحث العلمي الضروري لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.