Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / سياسة / حكومة المنصوري أمام اختبار المصداقية.. من يضمن تنفيذ الوعود الواردة بالتصريح الحكومي؟

حكومة المنصوري أمام اختبار المصداقية.. من يضمن تنفيذ الوعود الواردة بالتصريح الحكومي؟

كيوسك أنفو 20 أكتوبر 2026 - 15:15 سياسة

جاء التصريح الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري، أمس الاثنين أمام البرلمان، محملا بالأهداف والأرقام والالتزامات، لكنه ترك خلفه سؤالا أكثر إلحاحا، وهو: “كيف ستنفذ كل ذلك، وبأي كلفة، وفي أي آجال؟”

 

فرفع الدعم الاجتماعي، وتحسين الأجور والمعاشات، وإصلاح الصحة والتعليم، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتسريع الاستثمار، ومعالجة أزمة الماء، ومحاربة الفساد، كلها عناوين ضرورية، لكنها ليست في حد ذاتها سياسة عمومية. فالسياسة تبدأ عندما تتحول هذه العناوين إلى قرارات وتمويلات ومشاريع ومسؤوليات ومؤشرات يمكن محاسبة الحكومة عليها.

 

المشكلة الأساسية في التصريح أنه رفع سقف الانتظارات أكثر مما كشف عن أدوات التنفيذ. فالحكومة تتحدث عن نمو سنوي في حدود 5 في المائة، وعن خفض العجز والمديونية، وفي الوقت نفسه تقدم التزامات اجتماعية ومالية واسعة. لكن التحدي ليس إعلان هذه الأهداف منفردة، بل تفسير كيفية تحقيقها مجتمعة.

 

فكيف ستوسع الحكومة الإنفاق الاجتماعي وتحافظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية؟ وما هي الفرضيات الاقتصادية التي بُنيت عليها هذه الأرقام؟ وما الذي سيحدث إذا جاءت معدلات النمو أقل من المتوقع؟ هذه الأسئلة ليست تقنية هامشية، بل تقع في صميم المصداقية السياسية للبرنامج.

 

وفي التشغيل تحديدا، تبدو الفجوة بين الخطاب والنتيجة أكثر وضوحا. فالشباب لا يحتاج إلى وعد عام بإدماجه في سوق العمل، وإنما إلى عدد محدد من الوظائف، موزعة زمنيا وقطاعيا ومجاليا، مع تحديد الجهة التي ستتحمل مسؤولية تحقيقها. كما أن الرهان على الاستثمار الخاص والسياحة والنمو لا يضمن تلقائيا خفض البطالة، ما لم تتوفر سياسة صناعية وتشغيلية واضحة تربط الاستثمار بخلق مناصب الشغل.

 

الأمر نفسه ينطبق على الصحة والتعليم. فقد أصبحت الإصلاحات الكبرى في هذين القطاعين متكررة في البرامج الحكومية إلى درجة أن المشكلة لم تعد في تشخيص الأعطاب، بل في القدرة على إنهائها. المواطن يريد مستشفى يعمل بكفاءة، ومدرسة تقدم تعليما جيدا، وإدارة لا تستنزف وقته؛ ولا تعنيه كثيرا كثرة الاستراتيجيات والبرامج إذا لم تنعكس على الخدمة اليومية. لذلك فإن الحكومة ستكون مطالبة بتقديم حصيلة دورية بالأرقام، لا حصيلة سياسية بالخطاب، لأن استمرار استعمال عبارة “الإصلاح” من دون قياس أثره لم يعد كافيا لإقناع الرأي العام.

 

وفي ملف الحكامة ومحاربة الفساد، يرتفع سقف النقد أكثر. فالتعهد بتجريم الإثراء غير المشروع وتشديد الرقابة على الصفقات وتضارب المصالح يبدو قويا على مستوى الخطاب، لكنه يصبح بلا قيمة سياسية إذا لم يتحول إلى تشريع واضح وتطبيق فعلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصالح وشبكات قادرة على مقاومة الإصلاح. وهنا تحديدا ستُختبر الحكومة: هل ستقبل بأن تطبق قواعد الشفافية على الجميع، أم ستظل محاربة الفساد عنوانا مريحا في الخطب الحكومية وصعبا عندما يصل إلى مناطق النفوذ؟

 

لذلك، فإن التصريح الحكومي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية النقاش، بل بدايته الحقيقية. فالحكومة طلبت من البرلمان الثقة على أساس وعود كثيرة، وعليها الآن أن تقبل بالمنطق المقابل: كل وعد يجب أن يصبح قابلا للقياس، وكل رقم يجب أن تكون وراءه آلية تنفيذ، وكل تأخر يجب أن تكون له مسؤولية سياسية واضحة.

 

أما أن تُملأ الولاية بالأهداف الكبيرة ثم يُترك تقييمها إلى نهايتها، فذلك يعني عمليا منح الحكومة خمس سنوات قبل أن تُسأل عن حصيلة برنامج يفترض أن تبدأ محاسبته منذ اليوم الأول.

شاركها LinkedIn