Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / آراء / عبد النبي عيدودي والمسؤولية الحكومية: قراءة في محددات الكفاءة والتمثيلية السياسية

عبد النبي عيدودي والمسؤولية الحكومية: قراءة في محددات الكفاءة والتمثيلية السياسية

كيوسك أنفو 04 أكتوبر 2026 - 22:35 آراء

في الأنظمة السياسية التي تقوم فيها الحكومات على التعددية الحزبية، لا ينبغي أن يخضع اختيار النخب الحكومية لمنطق التوازنات العددية وحده، بل يفترض أن يستند كذلك إلى معايير الكفاءة، والتجربة المؤسساتية، والقدرة على الترافع السياسي، والرصيد المعرفي، والامتداد المجالي، والقدرة على تمثيل المشروع السياسي للحزب داخل الجهاز التنفيذي.

وتزداد أهمية هذه المعايير في سياق برلماني قد تفرض فيه معارضة مكونة من 54 برلمانيا من التيار الإسلامي و8 برلمانيين من اليسار تحدياً سياسياً ورقابياً قوياً ومرهقاً للحكومة المقبلة برئاسة فاطمة منصوري. فمثل هذه المعارضة لن تكتفي بالمراقبة العددية، بل ستحتاج الحكومة في مواجهتها إلى بروفايلات تمتلك المعرفة، والقدرة على الترافع، وقوة الحضور والخطابة، والتمكن من تفكيك الحجج والرد عليها داخل البرلمان ووسائل الإعلام والفضاء العمومي.

ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن تناول اسم الدكتور عبد النبي العيدودي، القيادي في حزب الحركة الشعبية، بعيداً عن منطق التزكية الشخصية أو الدعاية الانتخابية، ومن خلال سؤال أكاديمي أكثر دقة: ما العناصر الموضوعية في مساره التي تفسر تداول اسمه ضمن النقاش الدائر حول الكفاءات الحركية التي يمكن أن تتحمل مسؤولية في المرحلة الحكومية المقبلة؟

أولا: الوطنية باعتبارها مرجعية في الممارسة السياسية

لا تُقاس الوطنية في العمل السياسي بالشعارات وحدها، وإنما تتجلى في طبيعة القضايا التي ينخرط فيها الفاعل السياسي وفي تصوره للدولة والمجتمع والهوية الوطنية.

ينحدر عبد النبي العيدودي من بيئة أسرية مرتبطة بذاكرة المقاومة، باعتباره ابن محارب قديم، وهي خلفية لا تكفي في ذاتها لإنتاج شرعية سياسية، لكنها تمثل جزءاً من التنشئة الرمزية والوطنية التي طبعت مساره.
والأهم من الأصل العائلي هو ما أنتجه الرجل نفسه من خطاب وكتابة. فقد تناول، ضمن اهتماماته الفكرية، قضايا الهوية المغربية والتعدد الديني والثقافي، وكتب بصورة واضحة عن اليهود المغاربة وعن تاريخ التعايش بين اليهود والمسلمين في المغرب، مستحضراً الرافد العبري باعتباره أحد روافد الهوية المغربية كما أقرها دستور المملكة.

وفي هذا الجانب تحديداً، لا يتعامل العيدودي مع موضوع اليهود المغاربة بمنطق ظرفي، بل يحاول وضعه ضمن قراءة تاريخية ودينية للخصوصية المغربية؛ مستحضراً الأولياء والمواسم والذاكرة المشتركة والتداخل الاجتماعي والديني بين المغاربة المسلمين واليهود.

وتكتسب هذه الخلفية أهميتها في مرحلة أصبحت فيها قضايا الحوار بين الأديان والتعايش والهوية المركبة جزءاً من النقاش الدبلوماسي والثقافي الدولي. فامتلاك السياسي تكويناً في مقارنة الأديان، إلى جانب القانون والعلوم السياسية، يتيح له مقاربة هذه الملفات من زوايا متعددة بدل اختزالها في الخطاب السياسي المباشر.

ثانيا: التكوين المتعدد وتحرير السياسي من أسر التخصص الواحد

إحدى الخصائص اللافتة في المسار الأكاديمي للعيدودي هي تعدد روافده المعرفية.
فالمعطيات المنشورة عنه تشير إلى تكوين في العلوم السياسية والقانون الدستوري ومقارنة الأديان، إلى جانب الدراسات الإسلامية والقانون العام، فضلاً عن اهتمام بالفلسفة والتراث والفكر السياسي.

وقيمة هذا التعدد لا تكمن في عدد الشهادات في حد ذاته؛ فالشهادة الأكاديمية لا تنتج تلقائياً رجل دولة أو وزيراً ناجحاً. غير أن الجمع بين حقول معرفية مختلفة يمكن أن يمنح الفاعل السياسي أدوات إضافية لفهم القضايا المركبة واستدعاء مفاهيم وحجج من مدارس معرفية متعددة.

وهنا يمكن فهم إحدى السمات التي طبعت تدخلات العيدودي البرلمانية: القدرة على الانتقال السريع بين المرجعية القانونية والسياسية والدينية والتاريخية والثقافة الشعبية
فالجواب الارتجالي المحكم لا يولد عادة في لحظة الكلام؛ بل يكون حصيلة تراكم معرفي سابق يسمح لصاحبه باستدعاء الحجة والمفهوم والمثال في زمن قصير.

وهذه القدرة تكتسب أهمية مضاعفة في العمل الحكومي، لأن الوزير لا يمارس وظيفته من داخل مكتبه فقط، وإنما يجد نفسه أمام البرلمان واللجان والصحافة والفاعلين الاجتماعيين، وفي مواقف تتطلب أحياناً جواباً فورياً لا يسمح بالعودة إلى خطاب مكتوب مسبقاً.

ثالثا: الخطابة السياسية بين قوة الحضور وضرورة ضبط اللغة المؤسساتية

ارتبط اسم العيدودي خلال تجربته البرلمانية بأسلوب خطابي خاص، يقوم على المزج بين اللغة السياسية والموروث الشعبي والأمثال والصور البلاغية.
وقد أثار هذا الأسلوب في بعض المحطات نقاشاً وانتقادات، كما أكسبه في الوقت نفسه حضوراً إعلامياً واضحاً.
ومن منظور أكاديمي، ينبغي عدم الاكتفاء بمدح هذه الخاصية أو رفضها؛ فالسؤال الأكثر أهمية يتعلق بمدى إمكانية تحويل قوة الخطابة إلى أداة للترافع المؤسساتي، خصوصاً في مواجهة معارضة قوية ومتنوعة المرجعيات، تجمع بين التيار الإسلامي واليسار.

فالسياسي القادر على جذب الانتباه يمتلك مورداً سياسياً مهماً، لكن الانتقال إلى المسؤولية التنفيذية يفرض مستوى أعلى من الانضباط المفاهيمي والدقة في اختيار العبارات، لأن كلام الوزير لا يمثل شخصه فقط، وإنما يرتب آثاراً سياسية ومؤسساتية على الحكومة التي ينتمي إليها.
ومن ثم، فإن أحد الاختبارات الحقيقية لأي انتقال محتمل للعيدودي من البرلمان إلى الحكومة سيكون قدرته على الجمع بين بلاغته المعروفة وبين مقتضيات التواصل الحكومي المنضبط، وتحويل حضوره الخطابي إلى رصيد فعلي في الدفاع عن اختيارات الحكومة والرد على خصومها.

رابعا: الترافع البرلماني بوصفه رصيداً للعمل الحكومي

تمنح التجربة البرلمانية للفاعل السياسي معرفة لا توفرها الدراسة الأكاديمية وحدها.
فداخل الجلسة العامة واللجان الدائمة يتعلم البرلماني آليات التشريع والرقابة ومناقشة الميزانيات والتعامل مع القطاعات الوزارية واستيعاب العلاقة بين النص القانوني والواقع التنفيذي.
وقد شارك العيدودي خلال تجربته النيابية في المبادرات التشريعية والنقاشات المتعلقة بعدد من الملفات، بما فيها الجماعات الترابية والإدارة والفلاحة والعالم القروي والقضايا الاجتماعية.
كما عاد في حملته الانتخابية الأخيرة إلى ملفات الفلاح الصغير والسقي والآبار والدعم والبناء في الوسط القروي، وهي قضايا تنسجم مع جانب أساسي من المرجعية المجالية التقليدية للحركة الشعبية.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربته لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها تجربة خطابية، وإنما باعتبارها احتكاكاً متراكماً بآليات المؤسسة التشريعية وبالمطالب القادمة من المجال القروي.

خامسا: من الفرد إلى المؤسسة الحزبية

ثمة معطى آخر ينبغي إدخاله في التحليل، يتعلق بموقع العيدودي التنظيمي.
فانتخابه في ماي 2025 رئيساً لـهيئة المتصرفين والمتصرفات الحركيين وضعه على رأس إطار مهني وتنظيمي داخل الحركة الشعبية يهتم، من بين ما يهتم به، بقضايا الإدارة العمومية والحكامة والإنصاف الإداري وإنتاج المقترحات والتصورات.
كما يرتبط اسمه بإدارة أكاديمية لحسن اليوسي، التي تمثل أحد الأذرع الثقافية والفكرية للحزب، وهو ما يمنحه موقعاً إضافياً في إنتاج المعرفة والتكوين والتأطير داخل الحركة الشعبية، ولا يجعله مجرد منتخب أو برلماني، بل فاعلاً في بناء الرصيد الثقافي والسياسي للحزب.
وهذا الموقع يسمح بالنظر إليه ليس فقط كمنتخب محلي أو برلماني، وإنما أيضاً كفاعل داخل عملية إنتاج الأفكار والسياسات داخل الحزب.
كما كتب العيدودي نفسه حول ما سماه «البديل الحركي»، محاولاً إعطاء مضمون فكري وسياسي لهذا المفهوم وربطه بالليبرالية الاجتماعية والعدالة المجالية والدفاع عن المغرب القروي والجبل والفئات الاجتماعية المختلفة.
وتتأكد هذه الأهمية كذلك من خلال حضوره في تأسيس الهيئة الشعبية للفلاحيين، باعتباره رئيساً مؤسساً فعلياً لها، وهو ما يربط مساره التنظيمي والبرلماني مباشرة بقضايا الفلاحين والعالم القروي والسياسات الفلاحية.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن قيمة الوزير الحزبي لا تتحدد فقط في تدبير قطاع إداري، وإنما كذلك في قدرته على ترجمة جزء من البرنامج السياسي للحزب الذي يمثله إلى سياسات عمومية.

سادسا: ماذا يمكن أن يضيف اسم من هذا النوع للحركة الشعبية داخل الحكومة؟

إذا شاركت الحركة الشعبية في الحكومة المقبلة، فإن أحد الأسئلة التي ستواجه قيادتها هو طبيعة التمثيلية التي تريدها داخل الجهاز التنفيذي.
هل يكون الهدف الحصول على حقائب وزارية فحسب، أم اختيار شخصيات تستطيع منح المشاركة الحكومية حضوراً سياسياً وفكرياً وتواصلياً؟
ضمن هذا السؤال يمكن فهم تداول اسم عيدودي.
فوجود شخصية ذات تجربة برلمانية وقدرة خطابية وخلفية أكاديمية متعددة، إلى جانب قربها من قيادة الحزب وموقعها داخل مؤسساته الثقافية والتنظيمية، يمكن، من حيث المبدأ، أن يمنح الحزب صوتاً سياسياً داخل الحكومة، وليس مجرد حضور تقني داخل قطاع وزاري.

وهنا تحديداً يمكن فهم أهمية عنصر الترافع.
فالوزير الحزبي لا يدافع فقط عن القرارات الحكومية؛ بل يصبح كذلك أحد الوجوه التي تقدم تصور حزبه داخل الأغلبية، وتفاوض حول الأولويات، وتشرح السياسات العمومية أمام البرلمان والرأي العام.
ولهذا فإن القدرة على التحدث تحت الضغط، واستحضار المرجعيات المختلفة، وفهم آليات البرلمان، يمكن أن تكون عناصر معتبرة عند اختيار ممثلي الأحزاب في الحكومات الائتلافية، خصوصاً عندما تكون الحكومة مطالبة بمواجهة معارضة قوية ومتمرسة.

سابعا: الحضور المجالي والقطاعات المحتملة

لا يكتمل تحليل اسم العيدودي من دون استحضار بعده المجالي والسياسي. فهو البرلماني الوحيد عن منطقة الغرب الأقرب إلى الاستوزار داخل الحركة الشعبية، وهو ما يمنحه دلالة تمثيلية خاصة في منطقة ترتبط بقضايا الفلاحة والعالم القروي والتنمية المجالية.
كما أن قربه من قيادة الحزب، باعتباره فاعلاً تنظيمياً وثقافياً، إلى جانب إدارته لأكاديمية لحسن اليوسي، وحضوره في تأسيس الهيئة الشعبية للفلاحيين، يجعل اسمه قابلاً للطرح ضمن مدار استراتيجي يتجاوز الحساب الانتخابي الضيق.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تبرز ملاءمته المحتملة لقطاعات ذات صلة بالصباغة، أو الشباب والرياضة، أو الفلاحة، بحسب هندسة الحكومة وتقدير قيادة الحزب لطبيعة المرحلة. ولا يعني ذلك أن هذه القطاعات محسومة أو أن اسمه مرتبط رسمياً بإحداها، بل إن تعدد عناصر مساره يفتح أكثر من احتمال في النقاش الداخلي حول التمثيلية الحكومية للحركة الشعبية.
فقطاع الفلاحة ينسجم مع حضوره في قضايا الفلاحين والعالم القروي، وقطاع الشباب والرياضة يمكن أن يستفيد من قدرته التواصلية وحضوره السياسي، بينما قد تتيح له قطاعات أخرى توظيف رصيده الثقافي والتنظيمي والترافعي.

ثامنا: هل يوجد فعلاً ضمن اقتراحات محمد أوزين؟

هنا تقتضي الموضوعية الفصل الصارم بين المعطى والاستنتاج.
توجد حالياً مواد صحفية حديثة تتحدث عن تداول اسم عبد النبي العيدودي في كواليس الاستوزار، وبعضها يربطه بقطاع التضامن والمجتمع المدني، فيما تتحدث مواد أخرى عن كتابة دولة ذات صلة بالعمل الاجتماعي والتضامني.
كما أن حضوره الحزبي والتنظيمي وقربه من عدد من أنشطة القيادة الحركية يوفران مادة للتحليل السياسي، فضلاً عن كونه البرلماني الوحيد عن منطقة الغرب الأقرب إلى الاستوزار داخل الحزب.
لكن، إلى حدود المعطيات المعلنة، لا يوجد ما يسمح بالجزم بأن الأمين العام للحركة الشعبية محمد أوزين قدّم رسمياً اسم العيدودي ضمن لائحة نهائية إلى رئيسة الحكومة المكلفة.
لذلك فالأدق علمياً القول إن مجموعة من المحددات السياسية والتنظيمية والأكاديمية والمجالية تفسر حضور اسمه في التداول، بينما يظل إثبات وجوده ضمن الاقتراحات الرسمية رهيناً بما ستكشف عنه قيادة الحزب والمشاورات الحكومية.

خاتمة: الكفاءة قبل الاسم

إن النقاش حول استوزار عبد النبي العيدودي، أو أي شخصية سياسية أخرى، يصبح أكثر جدية حين ينتقل من سؤال الأشخاص إلى سؤال المعايير.

فالحكومة المقبلة تحتاج، من منظور مؤسساتي، إلى الجمع بين الكفاءة القطاعية والقدرة السياسية، وبين المعرفة التقنية والقدرة على التواصل، وبين تمثيل الأحزاب والقدرة على العمل داخل منطق الدولة.

وفي حالة عبد النبي العيدودي، توجد عناصر قابلة للدراسة موضوعياً: تكوين أكاديمي متعدد الروافد، تجربة برلمانية، قدرة ترافعية وخطابية واضحة، اهتمام بالقضايا الاجتماعية والعالم القروي، كتابة في الهوية والتعايش الديني، تجربة تنظيمية داخل الحركة الشعبية، إدارة مؤسسة ثقافية حزبية، مساهمة في تأسيس هيئة شعبية للفلاحيين، وقرب من قيادة الحزب، فضلاً عن دلالته التمثيلية باعتباره البرلماني الوحيد عن منطقة الغرب الأقرب إلى الاستوزار.

وفي المقابل، فإن الانتقال من هذه المؤهلات إلى المسؤولية الحكومية ليس نتيجة آلية؛ إذ تظل هناك معايير أخرى تتعلق بطبيعة الحقيبة، ومدى ملاءمة الخبرة للقطاع، والتوازنات السياسية، وهندسة الحكومة، واختيارات قيادة الحزب.
وعليه، فإن السؤال الأكاديمي الأكثر اتزاناً ليس: هل يستحق العيدودي أن يصبح وزيراً؟
بل هو: هل تتقاطع خصائص مساره العلمي والسياسي والبرلماني والتنظيمي والمجالي مع المواصفات التي تبحث عنها الحركة الشعبية لتمثيلها سياسياً داخل الحكومة المقبلة، في مرحلة تحتاج فيها إلى شخصيات قادرة على الترافع ومواجهة معارضة قوية ومتعددة المرجعيات؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الوقائع والمشاورات، لا الإشاعة ولا الرغبة الشخصية.

شاركها LinkedIn